Visit us on Google+

ورزازات – مدينة تختزل سحر الجنوب

إذا كانت معظم المدن المغربية تحمل بين ثنايا ذكرياتها عبقا من التاريخ. فإن مدينة ورزازات تجسد وحدها تاريخا وحاضرا لن تكفيهما صفحات الكتب، لأنها تعكس صورة هوليوود بوجه شرقي ممزوج بسحر الجنوب، إنها مدينة صغيرة تضج بالحياة في استكانتها الوديعة، وتجعل زائرها خاضعا لعجلة الزمن التي تمضي ببطء، وكأنها تخاف أن توقظ الشغب فيه، وتدهشه بهندستها المعمارية الفريدة، التي تؤثث فضاءاتها الهوليوودية، وبأحيائها البسيطة، التي تتناغم فيها المنازل والفنادق والمناظر الطبيعية، لتبدو وكأنها تحد صامت بين زمنين تنتصب حيالهما المدينة المقامة على ضفة وادي زات في ثبات.

imagesتبدو ورزازات حسناء حباها الله بجمال أخاذ، تعبق بالسحر والفتنة البسيطة، اللذين استمدتهما من مناظرها الطبيعية الخلابة، فذابت في جسد مدينة لا تمل الهدوء، حتى أن اسم ورزازات يتألف من كلمتين أمازيغيتين هما “وار” وتعني دون، و”زازات” تعني الضجيج، لتترجم لاسمها معنى الهدوء والسكينة.

وُلدت المدينة من رحم التاريخ سنة 1920، بعد أن شيدت قرب ثكنة عسكرية، أقامتها سلطات الحماية الفرنسية عند مفترق الطرق، الذي يؤدي إلى واحات وادي درعة نحو غرب الصحراء من جهة، وواحات وادي زيز نحو شرق الصحراء من جهة أخرى، ووصفت المدينة كثيرا بالمنطقة النائية، التي تفتقر إلى ضروريات الحياة، وباتت مضرب الأمثال في جوع أهلها، وقالوا “حفظك الله من ذئاب تاغات، وبرد تلوات، وجوع ورزازات”، لكنها اليوم أصبحت حاضرة جبلية وصحراوية، ومعقل السينمائيين العالميين، الذين جعلوا منها “هوليوود إفريقيا”، وأفضل وجهة سياحية، يقصدونها من أقاصي البلاد.

مدينة مفعمة بعبق التاريخ

تستلقي وارززات عند فم الصحراء، وتشتهر بنخيلها الباسق ووديانها ومضايق جبالها وضيافة وكرم أهلها، وتنوع تراثها الشعبي.

تصادف عينا الزائر في “ورزازات” بعض البدويين بثيابهم الملّونة مثل أمواج البحر يضعون اللفة السوداء، التي تغطي رؤوسهم ووجوههم، ولا تظهر منها إلا عينان يسكنهما تاريخ من الفروسية والمجد العربي الأصيل، ونساء بدويات يرتدين لباس الصحراء، الذي يضفي على أنوثتهن حسنا وبهاء، ويتزين بحلل بربرية توحي بأصولهن، كما يجد في حوانيت المدينة أبسط الأشياء وأجملها، من بينها الأبواب الخشبية القديمة القادمة من إفريقيا، والفن القادم من فاس

المدينة العريقة بألوانه الأندلسية، وخصائص الفن البربري، وبعض المصنوعات الملونة بالأزرق والأبيض ومنتجات محلية تعكس أذواق أهلها بتميزهم.

من ينظر من الساحة إلى المدينة ظُهرا سيشعر بالدفء في أحجارها وتمتد في الأفق الصحراء وبين نظرة وأخرى تقع على “القصبة” المرمّمة أو المتروكة على حالها منذ القدم، ليتعرف على عمران وحضارة لم يعرفهما من قبل إلا في صور الماضي، فيسرح خياله بعيدا يغوص في بانوراما الجمال الساحر.

ساعة واحدة من الزمن تكفي عبر الطائرة للوصول إلى مطار “أوز” بورزازات وأزيد من 6 ساعات ونصف للوصول عبر الحافلة. يسمع السائح عند وصوله أصداء طيبة عن واحة تدعى “زكورة”، التي أغوت مصمّما فرنسيا ليجعل من قلعة كبيرة فيها فندقا خاصا اعتمد فيه على ترميم القلعة بمزيج من التبن الأصفر والطين البني كما كانت تبنى قديما إذ يلمع التبن الأصفر على جدران الطين المبنية أمامه كلما اقترب السائح من القلعة.

سيستمتع زائر ورزازات بالعديد من الجولات إلى إقليم أيت بنادو المشهور بالمواقع الجذابة والخاصة بتصوير الأفلام وسينتشي بزيارة القرى الرائعة والمحاطة بجبال صخرية شاهقة إضافة إلى أنها ستمكن هواة تسلق الجبال من صعود ما يقرب من 7414 قدما إلى أن يصلوا لممر تيزي إن تيشكا الذي يخترق قلب جبال الأطلس.

وعلى بعد كيلومترات من المدينة يمكن للسائح القيام بجولة وسط المنحدرات الشرقية لجبال الأطلس حتى يصل إلى واحة “تنرهير” الرائعة بوادها الأخضر، الذي يحفظ نضارتها وشبابها ويلف في متاهات الحدائق المورقة في ظلال النخيل، والتين، واللوز، ويعرج على القرى الجميلة، وعندما يتجه بعد ذلك غربا، حوالي 1188 مترا فوق مستوى سطح البحر سيصل إلى وادي “داديس” المشهور باسم “وادي الألف قصبة” أو “وادي الورود”، نظرا لعبيره النفاذ والقوي المنبعث من نباتاته المحلية الوردية اللون حيث يمكن الخروج لقاع النهر للاعب بأقدام عارية في المياه ولتناول وجبة الغذاء في أحد أركانه.

ولا يمكن أن يزيل السائح من أجندته زيارة “مضايق تنغير – تُدغى”. التي تحفظ التراث المعماري العريق، والتي تتناغم فيها المناظر الطبيعية في اندماج غريب حتى تبدو “المضايق” من بعيد مثل امرأة لقنتها الحياة حكمة الصمت، مستكينة وسط امتداد وهدوء الصحراء، تغري بسبر أغوارها وكشف غموضها.

عُرفت المدينة بأرض المتناقضات، لاختصارها الفريد على متناقضات تضم في وقت واحد الثلوج التي تعمم هامات جبالها، وكثبان رملية تكلل طبيعتها، والفيافي الجرداء، والواحات الخضراء، والمنابع التي لا تنضب، والأودية الجافة، وأشهرها “وادي العطش”، وتزدهر فيها زراعة النخيل، والحناء، والزعفران الحر، والورد البلدي. وهذا التنوع في طبيعتها العذراء، وفي أزياء المنطقة وأهازيجها، ومعمارها، ونمط العيش بها، منحها تميزا وتفردا عن باقي المدن.

OLYMPUS DIGITAL CAMERAفي مدخل مدينة ورزازات، تنتصب استوديوهات “أطلس” على مساحة 40 هكتارا، التي شيدت سنة 1993، على يدي محمد بلغني، ويقولون إن اللبنات الأولى للاستوديوهات تعود لسنة 1983، وهي مفتوحة على فضاء شاسع يشمل مناظر جبلية ساحرة، ويضم معامل للمهن السينمائية، من خياطة، ونجارة، وصباغة، وجبس، ونقش، وماكياج، ومؤثرات فنية، ومواقع للمتفجرات، واسطبلات لمئات الخيول والجِمال، ومكاتب لإدارة الإنتاج، وثلاثة استوديوهات للتصوير، إضافة إلى وحدة فندقية مصنفة أربع نجوم بكافة مرافقها الضرورية.

جوهرة النيلإنها الاستوديوهات العالمية التي صورت فيها “جوهرة النيل” لمايكل دوغلاس، وما تزال طائرته رابضة في المكان تشكل جزءا من ديكوره وصور شريط “كوندون” للمخرج الأميركي مارتن سكورسيزي، وهو ما اقتضى بناء قصر حاكم “التبت” الذي ما زال قائما، وشريط “كليوباترا” للمخرج فرانك رودام، الذي ترك سفينته بالمكان، و”غلادياتور” للمخرج “ريدلي سكوت”، و”المومياء” للمخرج “ستيفن سمرز”، و”أستريكس وأوبليكس” للمخرج الفرنسي “ألان شابات”.

وتعتبر المدينة عاصمة فنية بامتياز، ففي جانب من بناية تقليدية لاحتضان أنشطة الصناعة التقليدية، أقيمت استوديوهات “أستر” في 1992، قبالة قصبة سيدي داود التاريخية.

ورزازات على إيقاعات أحواش

وتعيش ورزازات على أهازيج مهرجان “أحواش”، التي تحمل هذا الاسم، الذي يعني الفناء، وتعتمد فرقة “أحواش” على الرقص الجماعي المختلط بين الذكور والإناث، ويشترط في الفتيات اللواتي يرقصن “أحواش” أن يكن عازبات، وتستبعد النساء المتزوجات، بينما لا يسري الشرط نفسه على الرجال، وتعرف الرقصة في مناطق الأطلس الكبير والصغير.

ahwachتتميز رقصات أحواش بتماثل حركات الراقصين والراقصات، وهي حركات يختلف شكلها وسرعة إيقاعها باختلاف المناسبة والمنطقة، وفي حالات نادرة، ينبري رجل أو امرأة أو هما معا للانفراد بالرقص خارج حلقة المجموعة.

يرتدي المشاركون في أحواش زي الحفلات والأعياد المميز للقبيلة، فالرجال يلبسون الجلباب الوطني والقميص “تشامير” والبرنس والعمامة البيضاء، ويتقلدون الخنجر الفضي، و”أقراب” وهي محفظة جلدية مزركشة بالحرير، بينما تتزين النساء بالحلي التقليدية، التي تتكون عادة من القطع الفنية المسبوكة وكربات “اللوبان الحر”.

تعكس مدينة ورزازات جزءا أصيلا من حضارتنا العربية، والحنين الذي يسكن ذاكرتنا التاريخية ليأخذنا إلى عالم بسيط، إذ نحتاج إلى الهروب لندفن إرهاقنا اليومي.

إنها المدينة المثالية لمن يريد خوض تجربة الهروب هذه، والولوج إلى أروقة ساكنة تبعث الطمأنينة في النفس، ويشكل مدخل المدينة الذي تنتصب حواليه استوديوهات أطلس أولى الخطوات نحو السحر الفرعوني الممزوج بالسحر المغربي الأمازيغي، حيث تستقبلك ورزازات بحضن أم حنون، تعانق سياحها لتنبعث روائح التراث الذي تحافظ عليه، فيتراقص مع نغمات “أحواش”، ما يُشعر المتجوّل وكأنه وسط كرنفال تتيه فيه الحواس.

اتصل بنا

الدعم الفني غير متوفر الان , اذا كان لديك استفسار فقم بارسال بريد الكتروني

نحن هنا لمساعدتك , اذا كان لديك اي سؤال تفضل !

اضغط للدخول للمحادثة